“فرحات” يُصبح “أباً” بعد 22 عاماً

يوسف .. الأمل الذي بدّد سنوات طويلة من العقم

“فرحات” يُصبح “أباً” بعد 22 عاماً”

نبض الجريح-أسماء الصانع:فرحات

تغمض جفونها التي لم تجفّ دمعاً ولم يرحمها ملح الليل، تفوض أمرها إلى الله وتغرق في رحلة طويلة من النوم، تاركةً زوجها رافعاً أكفه يتضرع إلى الله مُطلقاً لروحه العنان في الآية القرآنية “رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين”، ذاك الأب الذي لم يعد عقيماً كلما ضاقت عليه الدنيا يلملم بعثرة أنفاسه ويرحل إلى عالم فسيح من المشاعر الإيمانية الصادقة.

حكاية “نبض الجريح” هذه المرة تروي قصة الشاب “شعبان يوسف فرحات” أربعيني العمر أحد المستفيدين من جمعية الأيدي الرحيمة، التي ذلّلت له رحلة المعاناة الأخيرة التي خاضها أملاً في إنجاب طفل، ومدّت له يد العون برحمةٍ ورفقٍ بالغ.

نبض الجريح-أسماء الصانع:

سنوات عجاف قضاها الزوجين في ترقب حلمٍ عساه يُزهر يوماً، رغبة بجنين يكمل شهوره التسعة داخل رحم والدته، بعد مخاضٍ لا تدري كيف تكون تفاصيله عسيرة أم يسيرة، كانت “أم يوسف” على استعداد تام أن تتجرع أقسى لحظات ميلاد في التاريخ، مقابل أن تصغي جيداً لصرخته الأولى في وجه الحياة مجتازاً نور جسدها، تحاول أن تصل إلى نهاية الحلم الذي لم يبدأ واقعاً.

عقب اثنين وعشرين عاماً من الانتظار المرهق أتت الفرحة إلى قلب “شعبان” وزوجه تسعى، تلك اللحظة المباركة التي ملأت أرواحهم أملاً بمجيئ الابن المُنتظر “يوسف”، المولود الصغير الذي لم يتجاوز الشهر من عمره، والذي بدا لنا كأكثر ملوكيّة يتربع على حضن والديه المتعطشين لتقبيل رأسه، ملامح وجهه المستدير أضاءت عتمة سنين طويلة، حلّ كما الربيع مُسدلاً ستاراً محكماً على برودة يناير الممطر شديد العاصفة.

بين فكي كماشة

يقول فرحات:” تزوجت في مطلع التسعينيات، منذ ذاك الحين كنت أمارس أعمالاً حرة كي أحصل على قوت يومي، واستمر بي الحال هكذا دون دخل منتظم مدة عشر سنوات، كانت الحياة شاقة، إلى أن حصلت على وظيفة حكومية كموظف عسكريّ منذ عام 2006”.

لم تكن الوظيفة الجديدة أستر حالاً من ذي قبل، ولم تجلب كذلك الحظ في رغد العيش فالراتب الحكومي المتواضع لم يكن جديراً بتوفير مستلزمات البيت كأدنى حد، إذ أن قلة الرواتب والوضع المأساوي في غزة عصف بواقع “أبو يوسف” كغيره، كفكي كماشة حاصره ضنك العيش والحاجة الملحة إلى عملية زراعة طفل.!

فرحتان منقوصتان

بدأ “أبو يوسف” بسرد تفاصيل معاناة أكثر من عشرين سنة من الانتظار والحنين إلى “الأبوّة”، حروفه التي امتزجت بدموع الفرح، الحديث الآن عن حملان لم يكتملا نضوجاً وميلاداً تجرعهما الوالدين بمذاقهما المرّ يقول: “بعد أكثر من عشر سنوات من زواجي حملت زوجتي حملها الأول عام 2006 حتى بلغت الجنين الأنثى شهرها السادس، ثم شاء الله أن تُجهض “مرح”.

لحظات سار فيها “أبو يوسف” باتجاه خط الصمت، تنهّد ثم تابع: “في عام 2010 لم نكن بحاجة إلى عمليات زراعة فأتى أمر الله وحملت زوجتي حملها الثاني إلى أن أكمل الجنين شهره الثالث ثمّ دق أجراس الرحيل نازعاً الأمل من قلب والديه”.

محاولات زراعة طفل

أمّا عن الرحلات الأكثر مشقة التي خاضها “أبو يوسف” وزوجه “زراعة الأطفال” والتنقل بين مراكز طبية قد يفشل أصحابها أو ينجح؛ الأمر أكثر ارتباطاً بإرادة الله، ورغم شح الأموال، لم تكن المحاولات مقتصرة على واحدة أو اثنتان أو ثلاث، فإصرار الزوجين دفعهما لخوض غمار هكذا عمليات ست مرات.

يقول أبو يوسف: “ بعد أن تجاوزنا الفترة العلاجية التي استمرت أربعة اعوام، وتيّقنا أنه لا مشاكل لدينا نحن الاثنين، انتقلنا إلى عملية زراعة أطفال أنابيب، فشلت المحاولات الأربع الأولى”.

وحسبما أخبرنا فإن لحظة انتظار النتيجة التي تستغرق عشرة أيام تستنزف أكبر قدر ممكن من أنفاسهم، ثم يتلقى الزوج مكالمة هاتفية من الطبيب “لقد فشلت العملية”..، ليكتمل استنزاف المشاعر بصدمة من الإحباط والفشل.

“الإيمان بالله، ويقيني الشديد أنّه لن يخيبني بعد أن مددت أكفي بالدعاء، تلك الإجابة التي أسّرها إلينا “أبو يوسف” وكانت السبب في إقدامه للمرة الخامسة على إجراء عملية زراعة طفل، لكنها أيضاً فشلت”.

من ناحيته أوضح مدير جمعية الأيدي الرحيمة محمد أبو الكاس أن جمعيته تبنّت خلال الأعوام الماضية أكثر من ثلاثين عملية “زراعة أطفال أنابيب”، موضحاً أن خدمات الجمعية التي قدّمتها للجرحى والمستفيدين من ملف الإنجاب اشتملت أيضاً على تقديم الأدوية والعلاجات الطبية اللازمة، وإجراء التحاليل وعديد من العمليات الصغرى مثل.

وجاء الفرج

لم يجرؤ اليأس أن يستوطن قلبه الذي تعلّق بالله، ما دفعه لخوض المحاولة السادسة في عملية زراعة طفل، يسترسل أبو يوسف في الحديث قائلاً:” توجهت هذه المرة إلى جمعية الأيدي الرحيمة، التي ساعدتني في الوصول مركز زينة الحياة وإجراء العملية على يد الطبيب “ماهر عجور” ، فيما ساهمت الجمعية بألف دولار من تكاليف العملية، وذللت لنا العقبات، إلى أن تمت بعناية إلهية، ونجحت وأتمت زوجتي شهور الحمل، التي كانت تتطلب رعاية كبيرة، إلى جانب علاجات وأدوية لتثبيت الحمل”.

وتابع:” الفترة الأشد صعوبة في حمل زوجتي هي أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير، حيث هدم الاحتلال منزلنا، ووقعت عائلتي رهينة التشريد من بيت إلى آخر بحثاً عن الأمان، كنت قلقاً جداً على الجنين وراودني شعور بأنه قد أُجهض نتيجة خوف زوجتي وحركتها الكثيرة حيث نخرج في منتصف الليل فزعين من أصوات القصف، لكن الله كان خير حافظاً وأتمت زوجتي حملها إلى أن أنجبت يوسف”.

يُذكر أن جمعية الأيدي الرحيمة تختص بخدمة الجرحى، وتعمل على التخفيف من معاناتهم عن طريق تنفيذ برامج نوعية لهم.

 

 

التعليقات

comments