جرحانا … مسك الجراح وراية الكفاح

جرحانا … مسك الجراح وراية الكفاح
بقلم: الشيخ محمد الطاهر السعافين

مقالات copy
عندما كنت صغيرا كنت أظن الحياة وردية متسامحة سهلة المنال ، وكنت أعتقد أن كل إنسان يستطيع أن يصل فيها إلى حيث يريد ، ثم كان أن كبرنا وعلمنا أن في الحياة من الشدة والقسوة ما فيها ، وأن الإنسان إن أراد أن يصل إلى ما يريد فعليه بالجد وتحمل قسوة الأيام والصلابة في مواجهة الشدائد ، هذا للإنسان العادي ، أما من ابتلاه الله فأصيب في جسده فيصبح الجد مضاعفا حينذاك ، وتمسي الأيام أقسى وتتطلب صلابة أقوى ، وتكون الشدائد آنذاك على قدر الابتلاء ، غير أن من أبتلي فجرح في جسده عليه أن يجعل نصب عينيه أمور تعينه على ما هو فيه ، وتأخذ بيده إلى أفق النهوض والتقدم :

أولها : أن ما أصابه في الدنيا هو ذخر له في الآخرة ، وهو شهادة عند الله سبحانه وتعالى لمن احتسب وأناب ،  فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من مكلوم يكلم في سبيل الله ، إلا جاء يوم القيامة ، وكلمه يدمى : اللون لون الدم ، والريح ريح المسك) ، ولما علم الصحابة والأولون رضوان الله عليهم بهذا الأجر العظيم تسابقوا لنيل هذا الفضل العظيم ، فهذا هو الصحابي الجليل عبد الله بن جحش يقف في يوم أحد متوجها إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء قائلا : اللهم ارزقني غداً رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله فيك ويقاتلني فيقتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك قلت: يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذنك، فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت. فيقول سعد بن أبي وقاص: لقد رأيته آخر النهار وإن أذنه وأنفه معلقان جميعاً في خيط.

وثانيها: أن العزيمة القوية والإرادة الصلبة لا تقعدها جراح ولا تعترف بقيود الجسد ، وفي ذلك سأتوقف مع اثنين من أصحاب الإرادة التي لم يحد من عزمها مرض أو جراح، وأولهما هو الشيخ الشهيد أحمد ياسين ، ومن منا لا يعرف الشيخ ياسين ؟! إنه صاحب القصة العجيبة الفريدة التي أثبتت أن نفس الأبي لا تقبل الضيم ولا يحد من عزمها مرض أو يفل من عضدها حديد.

وثانيهما هي الأديبة الأمريكية (هيلين كيلر) والتي كانت تعتبر أحد أهم رموز الإرادة الإنسانية في المئة عام الأخيرة ، حيث أنها كانت فاقدة السمع والبصرواستطاعت أن تتغلب على ذلك وتم تلقيبها بمعجزة الإنسانية ، فاستطاعت أن تتعلم النطق على الرغم من استحالة ذلك لمن هم في حالتها ، وألفت ثمانية عشر كتابا وترجمت مؤلفاتها إلى خمسين لغة وهي صاحبة المقولة الشهيرة (عندما يُغلق باب السعادة، يُفتح آخر، ولكن في كثير من الأحيان ننظر طويلا إلى الأبواب المغلقة بحيث لا نرى الأبواب التي فُتحت لنا) ، ومن أراد أن يعرف ما تحلت به هذه المرأة من إرادة هذه المرأة فعليه أن يقرأ كتابها الرائع ( قصة حياتي العجيبة ) .

ختاما جرحانا الأحباب: العزيمة، والاعتماد على الله سبحانه وتعالى واعلموا ما أصابكم هو وديعة عند من لا تضيع عنده الودائع تلقونها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم والحمد لله رب العالمين.

التعليقات

comments