جرحى غزة .. آلامٌ ومعاناة

 

محمد السنوار :

كلما تأملتُ في عيونهم لامستُ فيها حدة عيون الصقر، لحظات صغيرة وتنشب معركة بين تلك النظرة الثاقبة وبين دمعة الطفل التي تريد أن تسقط رغماً عنهم، وبعد عراك مستميت سببه من يسبق الآخر بالظهور وعلى الرغم من أن عيناه غارقتان مغمورتان بالماء المالح الذي يوشك على الطوفان، إلا أن النصر في النهاية يكون من حليف نظرة الصقر التي ما إن تبرز حتى يخجل الماء ويعود أدراجه حيث منبعه الأصلي إلى أن يختفي تماماً، هذه هي عيونهم عيون المسحوقين في بلادي.
قدّرَ الله لي أن أقابل المئات بحكم عملي الإعلامي المتخصص معهم، عند الوهلة الأولى من رؤيتهم يبدأ عقلي حينها بعملية معقدة تشترك فيها كل حواسي لجمع أكبر قدر ممكن من المصطلحات التي استخدمتها والتي لم استخدمها بعد، بالإضافة إلى الكلمات التي أعرفها ولا أعرفها لأرحب وأواسي وأخفف وأدعم وأصّبر وأشد على أزره ووووو… الخ ، وأبقى في هذه الحالة من الضغط الشديد للإعداد والاستعداد حتى تأتي اللحظة التي تسبق استجابته لي ومبادلتي تحية الاسلام، في هذه اللحظة بالتحديد ترسم على وجنتيه ابتسامة عريضة تمحو كل مجلدات الكلمات المصفوفة داخل دماغي، وتقلب المعادلة فأصبح أنا من أستمد منه الأمل والصبر والصمود وهو من يشد أزري ويواسيني ويخفف عني متاعب الحياة ، حقاً هؤلاء هم المسحوقين في بلادي .
جلدهم مرقع من آثار الخيوط التي نقشت عليها، ملامحهم مشوهة ، أطرافهم مبتورة ، عيونهم مفقوءة ، قطع الارسال عن أسماعهم رغماً عنهم ، غير قادرين على اتخاذ أي قرار لوحدهم دون الاستعانة بغيرهم كما كانوا ، حبات الدواء عندهم كالوجبات الرئيسية لا يمكن الاستغناء عنها، الأوفر حظاً من أجرى عمليتين أو ثلاثة للحد من أوجاعهم التي يعرفون منابعها على الرغم من أنها تخرج من جسدهم الممزق أما الأتعس هو الذي لا زال ينتظر دوره البعيد لاجراء العملية الجراحية، هل عرفتم عمن اتحدث ، انهم المسحوقين في بلادي .
“الشهيد الحي” وصفهم الدائم الذي نتداوله ونحسب بأننا نكرمهم به ونوفيهم حقهم ولا نعلم بأننا نتمنى الموت لهم عندما ننعتهم بذلك، تلقائياً بعدها نعاملهم كمعاملة الشهداء كرموز نحتفي بها في المناسبات والأعياد الوطنية فقط لا يختلفون عن الشهيد سوى أنهم لا زالو يتنفسون بيننا ونحن لا نشعر، نسينا بأن حياتهم لم تنتهي بعد ولهم احتياجات كاحتياجاتنا تماماً بل وتزيد عنا أيضاً نسينا بأنهم بشر مثلنا يأكلون ويشربون ويتكلمون ويتزوجون و ينجبون ويحلمون بغد أفضل تماماً مثلنا، ولا أدري هل نسيناهم أم تناسيناهم ؟
هل عرفتم عمن أـحدث إنهم المسحوقين في بلادي ، أقصد الضلع الثالث المكسور المتفتفت المهجور المهمش للقضية الفلسطينية ، إنهم الجرحى ، وللحديث بقية

التعليقات

comments